حبيب الله الهاشمي الخوئي

42

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( واخرجوا من الدّنيا قلوبكم من قبل أن يخرج منها أبدانكم ) وهو أمر بالزهد في الدّنيا والاعراض عنها وحذف محبّتها عن ساحة القلب والاستعداد للموت قبل حلوله ، لأنّ من كانت الدّنيا همّته وأشرب محبّتها قلبه اشتدّت عند مفارقتها حسرته . روى في البحار من الأمالي قال : قيل لأمير المؤمنين عليه السّلام ما الاستعداد للموت قال : أداء الفرائض واجتناب المحارم والاشتمال على المكارم ثمّ لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه ، واللَّه ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه . وفيه من الخصال ومعاني الأخبار بسنده عن عبد اللَّه بن بكر المرادي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن الحسين عليهم السّلام قال : بينا أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم جالس مع أصحابه يعبيهم للحرب إذ أتاه شيخ عليه شجّة السّفر فقال : أين أمير المؤمنين فقيل : هو ذا ، فسلَّم ثمّ قال : يا أمير المؤمنين إنّي أتيتك من ناحية الشّام وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا احصى ، وأنّي أظنّك ستقتال فعلَّمني ممّا علَّمك اللَّه . قال : نعم يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون ، ومن كانت الدّنيا همّته اشتدّت حسرته عند فراقها ، ومن كانت غده شرّ يوميه فهو محروم ، وساق الرّواية إلى أن قال : فقال : يا شيخ إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق خلقا ضيّق الدّنيا عليهم نظرا لهم فزهدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه وصبروا على ضيق المعيشة وصبروا على المكروه واشتاقوا إلى ما عند اللَّه من الكرامة ، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان اللَّه وكانت خاتمة أعمالهم الشّهادة ، فلقوا اللَّه وهو عنهم راض وعلموا أنّ الموت سبيل من مضى وبقى فتزوّدوا لاخرتهم غير الذّهب والفضّة ولبسوا الخشن وصبروا على القوت ، وقدّموا الفضل وأحبّوا في اللَّه وأبغضوا في اللَّه عزّ وجلّ أولئك المصابيح وأهل النّعيم في الآخرة والسّلام .